الخميس، 4 نوفمبر 2010

فصل السطات ; الفعل المباشر والفعل عن بعد ; الفكرة;الفيثاغوريون

النظريات والأبحاث الموسيقية

النظريات والأبحاث الموسيقية:
ويُروى أن فيثاغورس كان في يوم من الأيام ماراً بحانوت حداد، فاسترعت سمعه الفترات الصوتية الخارجة من ضربات السندان، والتي بدت كأنها فترات موسيقية منتظمة. ولما عرف أن المطارق ذات أوزان مختلفة استنتج من ذلك أن النغمات تتوقف على نسب عددية. وتقول إحدى التجارب القلائل التي سمعنا بها في علوم القدماء إنه أتى بوترين متساويين في السمك وفي التوتر، وتبين له أنه إذا كان طول أحدهما ضعفي طول الآخر أخرجا إذا جذبهما نغمة من الدرجة الأولى؛ وإذا كان أحدهما قدر الآخر مرة ونصف مرة أخرجا خُمساً (دو - صول)؛ وإذا كان أحدهما قدر آخر مرة وثلث مرة، أخرجا رُبعاً (دو - فا) ؛ وبهذه الطريقة يمكن أن تقدر كل نغمة موسيقية تقديراً رياضياً، وأن يعبر عنها تعبيراً رياضياً كذلك. وإذ كانت كل الأجسام التي تتحرك في الفضاء تحرج أصواتاً، تتوقف درجة ارتفاعها على حجم الجسم وسرعة حركته، فإن كل كوكب في فلكه حول الأرض (كما يقول فيثاغورس) يحدث صوتاً يتناسب مع سرعة انتقاله، وهذا الصوت يعلو أيضاً كلما بعُد الكوكب عن الأرض؛ ويتكون من هذه النغمات المختلفة ائتلاف في الأصوات أو "موسيقى الأفلاك"، وهي موسيقى لا نسمعها قط لأننا نسمعها على الدوام.

علم الكون

علم الكون.

 
ويقول فيثاغورس إن العالم جرم كري حيٌّ مركزه الأرض، وإن الأرض هي الأخرى جرم كري تدور، كما تدور الكواكب، من الغرب إلى الشرق. وقد قسم الأرض، والعالم كله في الحقيقة، خمس مناطق - المنطقة الباردة الشمالية، والباردة الجنوبية، ومنطقة الصيف، ومنطقة الشتاء، والمنطقة الاستوائية، وقال إن الجزء الذي نراه من القمر يكبر حجمه أو يصغر تبعاً للزاوية التي يواجه بها الأرضَ نصفُه المتجه نحو الشمس، وإن خسوف القمر ينشأ من وجود الأرض أو أي جرم آخر بينه وبين الشمس. ويقول ديوجنيز ليرتس إن فيثاغورس كان أول مَن قال إن الأرض مستديرة، وأول من سمى العالم كوناً Kosmo.
وقد عمل فيثاغورس بفضل بحوثه في الرياضيات والفلك أكثر مما عمله أي عالم آخر لوضع أسس العلوم الطبيعية في أوربا. ولما أن تم له ذلك انتقل إلى الفلسفة، ويبدو أن لفظ الفلسفة نفسه من وضعه هو. وقد رفض أن يستخدم كلمة سوفيا Sophia أي الحكمة لأنها ادعاء عريض لا يرضاه، ووصف سعيه لإدراك الحقائق بأنها فلسفة Philosophia أي محبة الحكمة. وقد صارت كلمتا فيلسوف وفيثاغورس في القرن السادس كلمتين مترادفتين.
وبينما كان طاليس وغيره من الميليتيين يبحثون عن أصل الأشياء جميعها في المادة، كان فيثاغورس يبحث عنه في الشكل، وبعد أن كشف ما في الموسيقى من علاقات ونتائج متتالية عددية منتظمة، وبعد أن افترض وجود هذه العلاقات والنتائج المتتالية في الكواكب نفسها، قفز قفزة الفلاسفة نحو الوحدة، وأعلن أن هذه العلاقات والنتائج المتتالية العددية المنتظمة توجد في كل مكان، وأن العامل الجوهري الأساسي في كل شيء هو العدد. وكما أن اسبنوزا قد قال فيما بعد إن ثمة عالمين - أحدهما عالـَم الأشياء أو عالـَم الناس الذي يدركونه بالحواس والآخر عالم الفلسفة، أو عالم القوانين والثوابت الذي يدركه العقل - وإن العالم الثاني وحده هو العالم الحقيقي الدائم، كذلك شعر فيثاغورس أن النواحي الأساسية الخالدة لأي شيء هي ما بين أجزائه من علاقة عددية ، ولعله كان يرى أيضاً أن الصحة نفسها علاقة رياضية أو نسبة صالحة بين أجزاء الجسم أو عناصره؛ أو أن النفس كانت هي الأخرى عدداً.

وعند هذه النقطة انطلقت صوفية فيثاغورس التي استقاها من مصر وبلاد الشرق الأدنى حرة لا تلوي على شيء. فقال إن النفس تنقسم أقساماً ثلاثة: الشعور واللقانة والعقل؛ فالشعور مركزه القلب، واللقانة والعقل مركزهما المخ؛ وإن الشعور واللقانة من صفات الحيوان والإنسان على السواء ، أما العقل فيختص به الإنسان وحده، وهو خالد لا يفنى. وتمر النفس بعد الموت بفترة من التطهير في الجحيم Hades، تعود بعدها إلى الأرض وتدخل في جسم جديد، ثم في جسم آخر، وتمر في سلسلة من التناسخ لا ينتهي إلا إذا كان صاحبها قد حَيي حياة فاضلة منزهة عن الرذائل بأجمعها.
وكان فيثاغورس يدخل السرور على أتباعه، أو لعله كان يقوي عقيدتهم، بقوله لهم إن روحه قد تقمصت مرة جسم عاهرة، ومرة أخرى جسم البطل يوفوربوس Euphorbus؛ وإنه يذكر بوضوح مغامراته في حصار طروادة، وإنه قد تعرف في هيكلها في أرجوس على الدرع الذي كان يلبسه في تلك الحياة القديمة. وسمع مرة عواء كلب مضروب فقام من فورهِ لإنقاذه، وقال إنه قد عرف في عوائه صوت صديق له ميت. وفي وسعنا أن نتبين شيئاً من الصلات الفكرية التي كانت تربط بلاد اليونان وإفريقية وآسية في القرن السادس، إذا ذكرنا أن فكرة التناسخ هذه كانت مستحوذة في وقت واحد على خيال الهنود وعلى طقوس أورفيوس في بلاد اليونان وعلى إحدى الطوائف الفلسفية في إيطاليا.
ونحن نستشف نزعة التشاؤم الهندية تمتزج في فلسفة فيثاغورس الأخلاقية بروح أفلاطون النيرة الصافية. والقصد من الحياة في النظام الفيثاغوري أن تخلص من التقمص، والسبيل إلى ذلك هي الفضيلة، والفضيلة هي ائتلاف الروح مع نفسها ومع الله. ومن المستطاع كسب هذا التآلف بطريقة اصطناعية. وكان الفيثاغوريون يستخدمون الموسيقى كما كان يستخدمها كهنة اليونان وأطباؤهم لشفاء الاضطرابات العصبية. وكانوا يعتقدون أن أكثر ما تحصل به النفس على التآلف هو الحكمة، وهي فهم الحقائق التي يقوم عليها هذا التآلف فهماً هادئاً؛ وذلك لأن هذه الحكمة تعلم الإنسان التواضع والاعتدال، والطريقة الوسطى الذهبية. أما الطريقة المضادة لهذه - أي طريقة التنازع والتطرف، والخطيئة - فتؤدي حتماً إلى المآسي والعقاب والعدالة "عدد مربع"، وكل خطأ "سيربع" إن عاجلاً أو آجلاً بالعقوبة المكافئة له. هذا هو جوهر فلسفة أفلاطون و أرسطو الأخلاقية.

علم الكون

لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع, انظر Iamblichus of Chalcis.
The Monad was a symbol referred by the Greek philosophers as "The First," "The Seed," "The Essence," "The Builder," and "The Foundation"
ويقول فيثاغورس إن العالم جرم كري حيٌّ مركزه الأرض، وإن الأرض هي الأخرى جرم كري تدور، كما تدور الكواكب، من الغرب إلى الشرق. وقد قسم الأرض، والعالم كله في الحقيقة، خمس مناطق - المنطقة الباردة الشمالية، والباردة الجنوبية، ومنطقة الصيف، ومنطقة الشتاء، والمنطقة الاستوائية، وقال إن الجزء الذي نراه من القمر يكبر حجمه أو يصغر تبعاً للزاوية التي يواجه بها الأرضَ نصفُه المتجه نحو الشمس، وإن خسوف القمر ينشأ من وجود الأرض أو أي جرم آخر بينه وبين الشمس. ويقول ديوجنيز ليرتس إن فيثاغورس كان أول مَن قال إن الأرض مستديرة، وأول من سمى العالم كوناً Kosmo.
وقد عمل فيثاغورس بفضل بحوثه في الرياضيات والفلك أكثر مما عمله أي عالم آخر لوضع أسس العلوم الطبيعية في أوربا. ولما أن تم له ذلك انتقل إلى الفلسفة، ويبدو أن لفظ الفلسفة نفسه من وضعه هو. وقد رفض أن يستخدم كلمة سوفيا Sophia أي الحكمة لأنها ادعاء عريض لا يرضاه، ووصف سعيه لإدراك الحقائق بأنها فلسفة Philosophia أي محبة الحكمة. وقد صارت كلمتا فيلسوف وفيثاغورس في القرن السادس كلمتين مترادفتين.
وبينما كان طاليس وغيره من الميليتيين يبحثون عن أصل الأشياء جميعها في المادة، كان فيثاغورس يبحث عنه في الشكل، وبعد أن كشف ما في الموسيقى من علاقات ونتائج متتالية عددية منتظمة، وبعد أن افترض وجود هذه العلاقات والنتائج المتتالية في الكواكب نفسها، قفز قفزة الفلاسفة نحو الوحدة، وأعلن أن هذه العلاقات والنتائج المتتالية العددية المنتظمة توجد في كل مكان، وأن العامل الجوهري الأساسي في كل شيء هو العدد. وكما أن اسبنوزا قد قال فيما بعد إن ثمة عالمين - أحدهما عالـَم الأشياء أو عالـَم الناس الذي يدركونه بالحواس والآخر عالم الفلسفة، أو عالم القوانين والثوابت الذي يدركه العقل - وإن العالم الثاني وحده هو العالم الحقيقي الدائم، كذلك شعر فيثاغورس أن النواحي الأساسية الخالدة لأي شيء هي ما بين أجزائه من علاقة عددية ، ولعله كان يرى أيضاً أن الصحة نفسها علاقة رياضية أو نسبة صالحة بين أجزاء الجسم أو عناصره؛ أو أن النفس كانت هي الأخرى عدداً.

وعند هذه النقطة انطلقت صوفية فيثاغورس التي استقاها من مصر وبلاد الشرق الأدنى حرة لا تلوي على شيء. فقال إن النفس تنقسم أقساماً ثلاثة: الشعور واللقانة والعقل؛ فالشعور مركزه القلب، واللقانة والعقل مركزهما المخ؛ وإن الشعور واللقانة من صفات الحيوان والإنسان على السواء ، أما العقل فيختص به الإنسان وحده، وهو خالد لا يفنى. وتمر النفس بعد الموت بفترة من التطهير في الجحيم Hades، تعود بعدها إلى الأرض وتدخل في جسم جديد، ثم في جسم آخر، وتمر في سلسلة من التناسخ لا ينتهي إلا إذا كان صاحبها قد حَيي حياة فاضلة منزهة عن الرذائل بأجمعها.
وكان فيثاغورس يدخل السرور على أتباعه، أو لعله كان يقوي عقيدتهم، بقوله لهم إن روحه قد تقمصت مرة جسم عاهرة، ومرة أخرى جسم البطل يوفوربوس Euphorbus؛ وإنه يذكر بوضوح مغامراته في حصار طروادة، وإنه قد تعرف في هيكلها في أرجوس على الدرع الذي كان يلبسه في تلك الحياة القديمة. وسمع مرة عواء كلب مضروب فقام من فورهِ لإنقاذه، وقال إنه قد عرف في عوائه صوت صديق له ميت. وفي وسعنا أن نتبين شيئاً من الصلات الفكرية التي كانت تربط بلاد اليونان وإفريقية وآسية في القرن السادس، إذا ذكرنا أن فكرة التناسخ هذه كانت مستحوذة في وقت واحد على خيال الهنود وعلى طقوس أورفيوس في بلاد اليونان وعلى إحدى الطوائف الفلسفية في إيطاليا.
ونحن نستشف نزعة التشاؤم الهندية تمتزج في فلسفة فيثاغورس الأخلاقية بروح أفلاطون النيرة الصافية. والقصد من الحياة في النظام الفيثاغوري أن تخلص من التقمص، والسبيل إلى ذلك هي الفضيلة، والفضيلة هي ائتلاف الروح مع نفسها ومع الله. ومن المستطاع كسب هذا التآلف بطريقة اصطناعية. وكان الفيثاغوريون يستخدمون الموسيقى كما كان يستخدمها كهنة اليونان وأطباؤهم لشفاء الاضطرابات العصبية. وكانوا يعتقدون أن أكثر ما تحصل به النفس على التآلف هو الحكمة، وهي فهم الحقائق التي يقوم عليها هذا التآلف فهماً هادئاً؛ وذلك لأن هذه الحكمة تعلم الإنسان التواضع والاعتدال، والطريقة الوسطى الذهبية. أما الطريقة المضادة لهذه - أي طريقة التنازع والتطرف، والخطيئة - فتؤدي حتماً إلى المآسي والعقاب والعدالة "عدد مربع"، وكل خطأ "سيربع" إن عاجلاً أو آجلاً بالعقوبة المكافئة له. هذا هو جوهر فلسفة أفلاطون و أرسطو الأخلاقية.

فيتاغورس

فيتاغورس

يعتبر فيتاغورس من اهم الفلاسفة والعلماء في الرياضيات للحضارة الاغريقية ، ولد سنة 532 ق. م. في جزيرة ساموس البعض، يقول هو ابن لشخص معروف في المدينة يدعى مينسورغس، والبعض الاخر يقول انه ابن اله ابولو، عاصر الطاغية بوليكريتس . كان له تأثيركبير على الحضارة الانسانية القديمة والحديثة . الحديث عن تاريخ تأسيس علم الرياضيات الاولية يبدأ من اراءه ونظرياته مع اقليدس ، لم يحب العيش في جزيرة مالطا بسبب اعمال الطاغية فتركها ، البعض يقول انه ذهب الى مصر وهناك تعلم الكثير من حكمة الحضارية الفرعونية ، وفي النهاية استقر في كروتن، التي وجد فيها النظام والعدالة وحب الشعب للحكمة، التي تقع في جنوب ايطاليا. في البداية كان له تأثير على اهل هذه المدينة ، الا انهم في النهاية انقلبوا عليه ، فهرب منها الى جزيرة ميتابونشن المجاورة التي بقى فيها الى حين مماته .
حياة فيتاغورس هي احد الغاز التاريخ، البعض يُرقي مرتبته الى مرتبة اينشتاين في زمانه، هو مؤسس مدرسة دينية معروفة بأسمه، التي كانت تؤمن بانتقال الارواح وان اًكل البقوليات هي من الخطايا .

هذه بعض من تعاليم مدرسة فيتاغورس الدينية التي هي متداخلة مع الاساطير البدائية لشعوب العالم في عصور الجاهلية:
1)لا تأكل ثمار البقوليات .
2)لا تلقط كل ما وقع على الارض .
3)لا تلمس الديك الابيض.
4)لا تأكل من الخبز الكامل .
5)لا ترج النار بالحديد .
6)لا تجلس على ربع المساحة.
7)لا تأكل القلب.
8)لا تمشي في الطريق العام.
9)لا تنظر في المراَة التي هي معلقة بجانب الضوء.
10)لا تمشي على القضيب.

يقول كرُفورد في كتابه (من الدين الى الفلسفة) كانت مدرسة فيتاغورس تمثل التيار الاقوى للاتجاه المعارض للعلم في ذلك الوقت، وكان يميل الى تبني افكار الاساطير المتوارثة بين الاجيال لكن في نفس الوقت لها صبغة علمية في تفسيرها ، وان الفيلسوف (بارمنداس وافلاطون) قد استقيا افكارهما من فلسفته و افكاره في علم الرياضيات. كان قد اعطى لنفسه لقب شبيه الله حيث قال ( هناك الرجال وهناك الله وهناك ايضا اشياء اخرى مثل فيتاغورس ) اي هو في حالة وسيط او مكانته اعلى من الانسان . كان دائما يحاول شرح كل القيم ويرجع كل المسببات الى الله الواحد الغير مرئي ، ويرفض العالم المرئي ويعتبره خاطئ وناقص.
يقول ديكاركوس ان فيتاغورس هو اول من اعتبر الروح خالدة وتنتقل بين الكائنات الحية، وان كل شيء جاء الى الوجود سيستمر في الولادات المتكررة بعد مماته ، اذن في الحقيقة لا يوجد شيء مولود من جديد، ويقال ايضا انه كان مثل القديس فرنسيس الاسيزي يتكلم مع الحيوانات.
في المجتمع الذي تم بناءه علىتعاليم فيتاغورس، كان للمراة حقوق متساوية مع الرجل ،و كان لها حياة اعتيادية مع الرجل. وان الاكتشافات العلمية والرياضية كانت تفسر بطريقة اساطير بسبب تعليماته.
يٌقال ان فيتاغورس قال، ايضا ان الجسم هو تابوت الروح (نفس فكرة افلاطون) ويجب ان لا نحاول الهروب من القبر بحسب ارادتنا، بل نحن رعية لله، فيجب ان لا نترك هذا التابوت الا بحسب تعاليم الله الذي هو يساعدنا على التخلص منه . في هذه الحياة هناك ثلاثة طبقات من الناس تعيش، وهي مثل الانواع الثلاثة التي تحضر الالعاب الاولمبية ، الطبقة الدنيا مثل التي تـأتي للبيع والشراء والتجارة ، والطبقة الوسطى تأتي للاشتراك في السباق والفوز واخذ الموقع، الطبقة المثلى هي التي جاءت لتشاهد الاحداث وتبحث في تحليلها، وهم الانقياء والاصفياء الذين لا يرغبون العلم ، بل ينذرون انفسهم في تطبيق الفلسفة الصحيحة التي تنتهي باطلاق سراح الذات من عجلة الولادات (اي يصلون الى النهاية المطلوبة في عملية استنساخ الروحي).

اهمية فيتاغورس تأتي من افكاره في موضو ع الموسيقى وعلم الهندسة حيث بنى علاقة رياضية بين النوطة الموسيقية والارقام الحسابية حيث قال
( ان الاشياء هي ارقام ) حيث صور الارقام باشكال مثل اشكال التي تقع على اوراق اللعب. بالنسبة لعلم الرياضيات والهندسة يقال هو اول من ادخل فكرة مربع الرقم او مكعب الرقم ، لكن اشهر انجاز هندسي له، كانت القاعدة الرياضية المعروفة بأسمه وهي قاعدة فيتاغورس (مساحة المربع المنشأ على الوتر تساوي مساحة المربعين المنشئيين على الضلعين الاخرين في مثلث الزاوية القائمة) . الشيء الاخر المهم الذي وجده فيتاغورس، على الرغم من معرفتنا بأن الفراعنة قد عرفوا المثلث التي اضلاعه الارقام 345 على التوالي هو قائم الزاوية .
الا ان نظرياته الفلسفية ذهب بريقها، بعد ان اثبت اقليدس انها بعضها غير صحيحة مثل ( النظرية التي تقول ان المربع المنشأ على الوتر يساوي ضعف المربعين على الوترين الاخرين في مثلث القائم المتساوي الاظلاع) .
تاثير فكر فيتاغورس على العلوم الحاضرة كبير هناك علاقة بين علم الرياضيات و علم اللاهوت والديانات الفردية التي لها علاقة مع النشوة والحالة الصوفية، فكلا الخطين لهما ارتباط تأريخي بأفكاره

. يقول بيتراند روسيل احد اهم فلاسفة وعالم للرياضيات في القرن العشرين، ان الرياضيات بالنسبة له (اعني روسيل) هي مصدر برهان لوجود الابدية والحقيقة المطلقة وعالم الاحساس العقلي . ويضرب مثالا على ذلك ، عالم الًمثل لافلاطون ( التي كانت لفلسفة فيتاغورس تأثير كبير عليه كما قلنا سابقا) ان علم الهندسة يتعامل مع دوائر مثالية، بينما في الحقيقة في العالم الواقعي، لا يوجد جسم له شكل دائرة مثالية، لانه يوجد بعض شيء من اللانقاوة او اللاانتظام فيه. وهكذا نصل الى النتيجة ان الطبيعة هي بحاجة ان تتقدم اكثرلتصل الى هذا الكمال، وان الافكار هي ارقى من الاحساس، وان الاشياء الفكرية هي اكثر حقيقية من المعلومات الاتية من بالاحساس .
اذن علم الرياضيات واللاهوت قد بدأ مع فيتاغورس ، الذي اعطى للفلسفة الاغريقية طابع ديني، حتى في العصور الوسطى الى عصر عمانوئيل كانط، قبل فيتاغورس الفكر الانساني كان متأثر بالاساطير الاسيوية، لكن من افلاطون والقديس اوغسطينوس والقديس توما الاكويني، وديكارت، وسبينوزا واخيرا ليبنز هناك محاولات من خلال تفسير الديني و الفكر الفلسفي لايجاد صيغة توفيقية، مبنية على المنطق لشرح وفهم الاشياء الابدية الغير محددة بالزمن، التي كانت بدأيتها من فيتاغورس ، كانت فقط فقط قبل قرن ،اكتشف العلماء اين كان فيتاغورس خاطئا واين كان صحيحا. يقول روسيل لا اعرف شخص اخر في التاريخ له تاثير على الفكر الانساني مثله، انا اقول هذا لانه ما يقال عنه بالافلوطينية ( نسبة الى افلوطين) ما هي الا نتائج تحليلية مبنية لافكار فيتاغورس، ان مفهوم العالم المثالي او الابدي مبيني على الفكر العقلاني وليس الحسي او الغريزي، كله مشتق من افكار فيتاغورس عن الارقام.

الأحد، 31 أكتوبر 2010

مقدمة الفلسفة

مقطضف من كتاب











الفلسفة كلمة يونانية الأصل معناها الحرفي "محبة الحكمة" . حتى السؤال عن ماهية الفلسفة " ما هي الفلسفة ؟ " يعد سؤالا فلسفيا قابلا لنقاش طويل . و هذا يشكل أحد مظاهر الفلسفة الجوهرية و ميلها للتساؤل و التدقيق في كل شيء و البحث عن ماهيته و مظاهره و قوانينه . لكل هذا فإن المادة الأساسية للفلسفة مادة واسعة و متشعبة ترتبط بكل أصناف العلوم و ربما بكل جوانب الحياة ، و مع ذلك تبقى الفلسفة متفردة عن بقية العلوم و التخصصات . توصف الفلسفة احيانا بأنها "التفكير في التفكير " أي التفكير في طبيعة التفكير و التأمل والعلم و التجربة في عصر النهضة ثم الفلسفات الوجودية و الإنسانية و مذاهب الحداثة و ما بعد الحداثة و العدمية .
الفلسفة الحديثة حسب التقليد التحليلي في أمريكا الشمالية و المملكة المتحدة ، تنحو لأن تكون تقنية أكثر منها بحتة فهي تركز على المنطق و التحليل المفاهيمي conceptual analysis . بالتالي مواضيع اهتماماتها تشمل نظرية المعرفة ، و الأخلاق ، طبيعة اللغة ، طبيعة العقل .
هناك ثقافات و اتجاهات أخرى ترى الفلسفة بأنها دراسة الفن و العلوم ، فتكون نظرية عامة و دليل حياة شامل . و بهذا الفهم ، تصبح الفلسفة مهتمة بتحديد طريقة الحياة المثالية و ليست محاولة لفهم الحياة .
في حين يعتبر المنحى التحليلي الفلسفة شيئا عمليا تجب ممارسته ، تعتبرها اتجاهات أخرى أساس المعرفة الذي يجب اتقانه و فهمه جيدا .

الفلسفة المعاصرة

الفلسفة المعاصرة
ليس هناك واقع فيما وراء الواقع الموجود، ليس هناك عمق يضيء، والظاهر بالنسبة لي ليس نقيض الوجود، ليس قناعا، بل إنّه الحياة وهي تسخر من نفسها لكي تجعلني أعتقد أو أشعر بأنّها مجرّد مظهر. نيتشه.
ثمة. قوى ما فتئت تستعير أقنعة ليس لحجب الرؤية وإخفاء الحقيقة، أو لتوليد السؤال وإثارة الرغبة، وإنّما هي أقنعة موجّهة ضدّ الأقنعة . إنها أقنعة "حاجبة"
لا يمكن فهم عبارة نيتشه تلك إلاّ على ضوء مقارنتها بالعبارة الأفلاطونية التي تقول الوجود هو مثال المثال وظاهر المثال هو في عمق مثاله. فهذه العبارة الأخيرة تقسّم الشيء إلى ظاهر ووجود، . فظاهر الشيء هو سطحه، وعمق الشيء هو وجوده أو ماهيته. وهكذا فالشيء له وجودان: وجود كنهي ووجود مزيف، والوجود الكنهي للشيء هو وجوده الحقيقي الشفاف، بينما الوجود الظاهر للشيء هو وجوده غير الحقيقي، أي هو وجوده المقنّع. وعليه فالظاهر ليس هو الوجود الأصلي للشيء، وإنما هو وجوده الشبيهي، ولذلك فهو إن كان نسخة للوجود الحق، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى النسخة الأيقونة بل هي مجرّد نسخة وعليه فالأفلاطونية ليست هي إقامة تقابل بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، بل هي التمييز والمفاضلة بين النسخ الأيقونة والنسخ الخائنة . الظاهر إذن هو قناع يحجب الماهية ويموّه الحقيقة.
قلب الأفلاطونية لدى نيتشه لا يعني كما ذهب هايدغر إلى ذلك إحلال الظاهر محلّ الوجود، وإحلال عالم المحسوسات محلّ عالم المثل، وإنما القلب يستهدف إلغاء العالمين معا عالم المثل والماهيات، وعالم الظاهر والأعراض إنه ليس حذفا لعالم الحقيقة من أجل الإبقاء على عالم الظواهر بل هو القول بأنّ ظاهر الوجود هو الوجود الظاهر، وأنّ السطح هو أعمق وجه في الشيء، وأنّ وراء كل كهف يوجد كهف آخر أعمق منه، وخلف هذا الكهف هناك كهف آخر...فوراء كل ظاهر هناك ظاهر آخر، بحيث يمكن الحديث عن ظاهر الظاهر، كما أنّه وراء كلّ قناع يوجد قناع آخر، بحيث يمكن الحديث عن "قناع القناع".
نحن هنا أمام جغرافية جديدة للفكر، فضاؤها ليس كهوف الفلسفة ما قبل السقراطية، وليس سماء المثل الأفلاطونية، وإنما هو سطح المحايثة والحدث، أو لنقل بلغة دولوز إنه الواقع الافتراضي. فـ"ظاهر الظاهر" إذن هو أعمق بعد في الشيء، إذ هو السر الفاضح لكل سر، أو السر الذي لا يبقى معه سر، أو السر الذي ليس بسر. ظاهر الظاهر النيتشوي ليس هو ظاهر الميتافيزيقا، وإنما هو عمقها بعد أن أخضع لزحزحة بموجبها تمّ انتشاله من أرضيته، ومعاودة إسكانه فضاء السطح. يتعلق الأمر بالانفصال عن الميتافيزيقا عبر الاتصال بها، ومجاوزتها عبر إعادة تملّكها، وذلك من خلال انتشالها من أرضيتها الوجودية.
إذا افترضنا الآن بأنّ الميتافيزيقا- ليس فحسب لدى نيتشه وإنما أيضا لدى هايدغر- هي بمثابة قناع . وهي تشكّل قناعا لأنها تخفي آليات اشتغالها، وتحجب شروط انبثاقها. فمن بين الآليات التي توظفها الميتافيزيقا في إنتاج المعاني التي تشتغل داخلها كحقائق وماهيات، نجد اللغة. غير أنّ الخطاب الميتافيزيقي لا يكون خطابا ممكنا، أي خطابا يقول الحقيقة إلا إذا أخفى الطابع البلاغي والشعري للغته، أي إلاّ إذا ألغى الطابع الكثيف للعلامة، وكرّس التصور الأداتي للغة عبر إقامة تطابق بين الدال والمدلول . كما أنّ شرط انبثاق الميتافيزيقا ونشأتها بما هي خطاب ماهية الوجود والحقيقة، هو إخفاء أصوله اللاهوتية والأخلاقية، أي ما يسمّيه نيتشه بالأرضية الأخلاقية للميتافيزيقا .
إن القيام ببناء نسق معرفي للميتافيزيقا أو بتقويضها يقتضي إماطة اللثام عن قناع الميتافيزيقا وفضح الأوهام التي تقوم عليها مثل وهم الحقيقة، والعقل، والماهية، إلخ. وبما أنّ عالم الحقيقة هو مجرّد خرافة، وبما أنّ الماهية مجرّد وهم، فإنّ قناع الميتافيزيقا هو القناع الذي تستعمله الميتافيزيقا من أجل حجب حقيقتها بما هي خطاب يتوهّم أنه حقيقة، أي بما هي خطاب وهم .
لكن العمل االمعرفي لا يهدف إلى إزالة القناع لإثبات البعد الوهمي للحقيقة، وإنما بالأحرى لإثبات البعد الحقيقي للوهم. ولا يمكن إثبات حقيقة الوهم و واقعية الزيف إلا بحجب وهم الحقيقة ولا واقعية الزيف، أي إلا عبر التأكيد على أنّ القيام ببناء نسق معرفي للميتافيزيقا، يقتضي ليس إزالة القناع عن الميتافيزيقا وإنما مضاعفته، أي يقتضي القيام بحجب قناع الميتافيزيقا.
إنّ الفيلسوف اليوم يختلف بشكل جذري عن فيلسوف الأمس، فيلسوف الحقبتين معا القديمة والحديثة. فلا يستطيع اليوم الفيلسوف أن يكتب مؤلفا فلسفيا على غرار "جمهورية" أفلاطون، أو "تأمّلات" ديكارت، . يمكن أن نترجم هذه الظاهرة باعتبارها أفولا للمحكيات الكبرى الغربية ، لا يجب أن يفهم هذا بأنّ الفيلسوف اليوم هو أقلّ ذكاء من فيلسوف الأمس وأسلافه السابقين. غير أنّ القول باستنفاذ المشاريع الكبرى ذاتها غير كاف لوحده لتفسير هذه الظاهرة، إذ يتعلق الأمر بخلخلة كبيرة هزّت أعماق الروح الفلسفية، حيث مسّت صورتها ودلالتها ووظيفتها.
أعتقد بأنّ الفلسفة والعمل الفكري بصفة عامة قد تغيّرت صورته ووضعيته منذ نهاية القرن التاسع عشر. فالفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هيوم قد عرفت مؤلفين كبار أبدعوا أنساقا فكرية كبرى تفسح المجال داخلها لمجالات واسعة لفلسفة العلم ، إذ هي كانت تأخذ في حسابها جميع أوجه النشاط الإنساني، أي ما نصطلح عليه بالفلسفة النظرية والعملية، حيث كانت تسعى إلى منافسة الدين في نقطة أساسية دقيقة وجوهرية تتعلّق بالأسئلة الكبرى النهائية، وخاصة تلك المتمحورة حول معنى الوجود. فحتى هيجل نفسه عمل على بلورة رؤية شمولية للعالم، رؤية تتعايش داخلها مختلف أوجه النشاط الفكري والثقافي للإنسان. كما أنّه سعى إلى تقديم حلّ نهائي لإشكالية معنى الوجود، بتوكيده على أنّ الخلاص على الأرض أصبح ممكنا مع قدوم المجتمع الخالي من أنظمة التصور الخيالية. إنّنا نعثر على هذه الظاهرة، أي على هذا "النزوع الشمولي" و"البحث عن الخلاص"، وإن بدرجات متنوّعة ومتفاوتة في كل الفلسفة الحديثة وخاصة لدى الفلسفة المثالية الألمانية.
لكن ما نلاحظه اليوم هو غياب مثل هذا الادّعاء الشمولي لدى الفلاسفة، حيث نلاحظ منذ نيتشه حتى فلاسفة الستينات في فرنسا، أنّ الفلسفة أصبحت تفكيكا للمثالية الألمانية بصفة عامة، ولفلسفة الذاتية كما أسسها ديكارت وبلورها كل من ليبنتز وهيجل، وصولا إلى هوسرل. يتعلّق الأمر بوضع موضع تساؤل جذري الطابع اللاهوتي والقيمي والطوباوي للأنساق الكبرى، وإماطة اللثام عما يمكن تسميته ب الأوهام الميتافيزيقية . لقد صار عمل الفيلسوف كما يقول نيتشه عملا معرفيا بحثيا يروم إزالة الأقنعة عن أصول الأوهام المشكّلة للفلسفة الحديثة: كوهم العقلانية، والوحدة، والحرية، والمساواة، ووهم التطابق، والحقيقة، والجوهر، إلخ.
إنّ ما نشاهده لدى هؤلاء جميعا هو اختفاء نهائي لفكرة بناء الأنساق، واتسام فلسفتهم بطابع النسبية التاريخية، تلك النسبية التي تتمثّل في محاولة تفكيك طروحات الماضي وخلخلة مفهوم الحقيقة، ومفهوم الزمن، والكائن والكينونة.
يمكن أن نزعم اليوم بأنّ مهام التفكيك قد تحقّقت في الغرب على نطاق واسع. ويمكن توسيع العمل البحثي ليشمل تاريخ الأفكار والمؤسسات الحديثة كما فعل نيتشه ومن بعده فوكو. كما يمكن نقل التقويض الهايدغري للميتافيزيقا الحديثة إلى مجالات أخرى، كالمجال الاجتماعي على غرار ما فعلته شتراوس .
وبصفة عامة يمكن القول بأن للفلسفة المعاصرة اليوم دورين تقوم بهما:الدور الأوّل نظري يتمثّل في محاولة فهم ما يحدث اليوم في العالم وما حدث في الماضي. يتعلّق الأمر بإعادة إقامة أنسقة البحث ل"رؤى العالم" التي كانت تؤطّر وتخترق وتحرّك المسار الفكري في الغرب، وهو عمل لازال في نظرنا- إذا استثنينا محاولة " الأخلاق" لدى نيتشه، و تاريخ الجنس لدى فوكو لم ينجز بعد. ويبدو أنّه عمل لابدّ من إنجازه إذا أردنا اليوم التفكير في التجربة الفكرية للغرب . الدور الثاني الذي يجب أن تضطلع به الفلسفة المعاصرة دورا حفريا ، يتمثّل في نقد الزمن الحاضر، أسوة بفوكو. لقد مارست الأجيال السابقة هذا النقد باسم نموذجين: فمثقفوا اليمين واليمين المتطرف في فرنسا مثلا ، قد انتقدوا مجتمعاتهم باسم ماض قد ولّى وانقرض. والمثقفون التقدميون الذين كانوا في معظمهم ماركسيين، قد انتقدوها باسم مستقبل مشعّ آت. ويبدو اليوم أنّ المجتمعات الغربية قد تصالحت مع حاضرها حيث تماهت مع تجربتها الديمقراطية. وهذا ما يجعل وظيفة الفكر النقدي اليوم وظيفة تفكيكية تتمثّل في تفعيل النقد من الداخل، وتشخيص وتحليل واقع تلك المجتمعات انطلاقا من مبادئها وبنياتها الداخلية، وكذا انطلاقا من ادّعاءاتها والوعود التي تقطعها على نفسها دون أن تفي وتلتزم بها. ومما لا شك فيه أن هذا النقد الداخلي الذي يكتسي عدّة أوجه: الأركيولوجيا، والتقويض أو التفكيك- هو أكثر جذرية من النقد الخارجي الذي يتم باسم حقيقة مطلقة، أو باسم مثل عليا وقيم مفارقة للمجتمعات الديمقراطية، سواء اتخذت تلك المثل والقيم شكل حنين إلى ماض ذهبي، أو شكل هروب إلى مستقبل موعود.
إنّ ما يميّز المجتمعات ما قبل الحديثة ، هو استنادها إلى مرجعية مفارقة توجد خارجها. وليست هذه المرجعية غير ما نطلق عليه عندنا التقليد. فالمجتمع التقليدي هو المجتمع الذي يحكمه قانون يستمدّ مرجعيته ومشروعيته من مصدر يوجد خارج الكائن الإنساني. إنه قانون القانون اللاهوتي بالمعنى العام للاهوت. بينما ما يميّز المجتمعات الحديثة هو ما يمكن تسميته بمشروع "التأسيس الذاتي"، أو "التشريع الذاتي وهو كما هو معلوم مشروع يجعل من الكائن الإنساني مصدرا للقانون، وهو الذي يعني جعل القانون صادرا عن الإرادة والعقل والمصلحة والحاجة الإنسانية.
إذا كان زمن الأنساق الكبرى قد ولّى، فإنّ الفلاسفة لم يتخلوا عن التفكير. فمنهم من يحاول أن يستكشف تعرّجات ما بعد الحداثة (النسق التفكيكي)، ومنهم من انخرط في شؤون المدينة ، والبعض الآخر يحاول الرجوع إلى الوراء من أجل اقتفاء أثر الحكمة القديمة وإعادة استكشاف دروبها ومسالكها ، والبعض الآخر يفضّل اقتفاء أثر العلم المعاصر ومساءلته . غير أنّ هذا التنوّع والاختلاف في الممارسة الفلسفية المعاصرة لا يحجب القاسم المشترك بين مختلف الفلاسفة المعاصرين والذي يتمثّل، كما أشرنا إلى ذلك آنفا، في رفضهم للأنساق المنحدرة من التقليد الأفلاطوني والهيجلي، والسعي لإضفاء المشروعية على الاختلاف والغيرية. فاستلهام نيتشه، واكتشاف إمانويل ليفناس، والإحالة إلى أولوية الآخر والمغايرة قياسا على الذات والهوية، كلّها تعتبر بمثابة عناصر مثيرة لعقول مختلفة. وبالنسبة للبعض الآخر فإن نهاية الفلسفة الهايدغرية قد دفعتهم إلى تثمين فضاء الأدب و والانخراط في الكتابة( دريدا، التفكيكية المعاصرة). وهذا يعني أن الإحالة إلى فلاسفة التقليد الأنواري والحداثة يكتسي في الفلسفة المعاصرة دلالات مختلفة: إنه يعني القدرة على تمثّل الدرس الفلسفي مع أخد المسافة الضرورية منه في الوقت ذاته بدون الإحساس باللوم والوقوع في التناقض أو التمزّق.
فمثلا يتم اليوم الرجوع إلى ألتوسير ليس باعتباره صاحب دعوة تحرير العلم من الإيديولوجيا وإنّما باعتباره الفيلسوف الذي تمثّل أحسن تمثيل بما هو صورة الفيلسوف صاحب "الحكمة بدون وهم"، والداعي إلى مقاومة السلطة كخطاب وممارسة وضلال كابية .
كما أنّ الرجوع إلى جيل دولوز يتم بهدف ملاحقة مفعولات "الإنشيال من الأرضنة التي تحدثها آليات التواصل. فالجهاز المفاهيمي الذي نحته دولوز يمنح لآليات التواصل الجديدة بعدا فلسفيا غير متوقّع، سواء تعلّق الأمر بمفهوم انمحاء الفضاء والزمان المرتبط بالسرعة الفائقة التي يتم فيها تبادل المعلومات، أو بواسطة التقنيات الرّقمية؛ أو تعلّق الأمر بمفهوم "الواقع الافتراضي .
كذلك فيما يتعلق بالعودة إلى دريدا حيث يتم إدراجه ضمن الفكر المنتقد للتقنية ، والمفكّك للذاتية ولفلسفة الحضور. كما يتمّ توظيف مفهوم "المباينة من أجل وصف عملية السيرورة الجارية بدون ذات" والتي تجد تجسيدها المكتمل في العملية التقنية السائدة التي سبق لهايدغر أن اعتبرها كاكتمال وتحقّق للميتافيزيقا .
وأخيرا حينما يعود فيلسوف ما اليوم إلى لفي شتراوس فمن أجل التأكيد على قوة وراهنية المشروع الساعي إلى التعرّف على الكلّيات ، أي البنيات الأوّلية التي تتوقف عليها الحياة الاجتماعية والثقافية للإنسان.
لو شئنا نحت صورة للفيلسوف المعاصر لقلنا بأنه نتاج لتكوين يتشكّل من انفصالات، وقطائع، وانعطافات، ومسارات تتوالى وتتقاطع فيها المدارس وتيارات الفكر. وربّما قد يكون هذا التكوين الهجين المتنوّع والمتعدّد، هو الذي يفسّر تأرجح هذا الفيلسوف بين إحالات ونماذج غير متجانسة ، فهو يعيش نوعا من الدوّار يهدّده تارة بالانغماس في ظلام الشك والعدمية، أو السير في دروب ومسالك تائهة؛ ويدفعه تارة أخرى للانخراط في منظورات نسبية غير مستقرّة.
وهكذا ففي هذا الفضاء المعاصر لا يوجد أي مذهب صادق، بل كلّ مذهب وكلّ عقيدة هو مجرّد تأويل، وفي أحسن الأحوال هو تأويل لتأويل إنّ الفيلسوف الأصيل هو ذلك الذي يرتبط بالأحداث، والمستجدات، والظروف، والطوارئ، وليس بتاتا ذلك الذي يرتبط بالأفكار الأبدية، أو بالتصورات اليقينية. إنّه من يستطيع أن يسجّل تدخّله في سياقات ملموسة ومتنوّعة، ويروم أن يجمّع حول مواقفه عقولا يقظة منتبهة ومختلفة.
فبقدر ما يبتعد الفيلسوف عن الأرتدوكسيات المسيّجة والعقيمة، بقدر ما يتمكّن من إسماع صوته ، هذا إن لم يكن صوته هو ذاته صوت المدينة المعاصرة. بحيث لا يرى البعض في الفلسفة المعاصرة سوى تخلّ عن الصّرامة الأكاديمية، وانشغال مهموم بملاءمة الفكر مع حياة الناس وواقعهم.
هكذا إذن، استوعب الفلاسفة المعاصرون درس أسلافهم المتمثّل أساسا في ضرورة التخلّي عن الطموح الهيجلي في إقامة دولة العقل ، حيث أصبحوا ينظرون، بتواضع كبير، إلى ما يقومون به من مهام. لقد أصبح عملهم عبارة عن ثورات صغرى تأخذ على عاتقها مختلف أوجه الواقع ومظاهر الحياة الإنسانية. لهذا نلتقي أحيانا بفلاسفة منخرطين بالكامل في مجالات، كان ينظر إليها بالأمس القريب على أنها غير جديرة بالفلسفة. مثل فنّ التمدّن، الإبداع الفني ، الموسيقى وتعبيرات الجسد؛ أو متورّطين في الحياة الجمعوية وقضايا الإنسان وحقوقه.
إنّ الذي يميّز مداخلة الفيلسوف المعاصر عن علماء الإنسان، هو بصفة عامة نوع من الإيقاع الجذري في النقد ، ونوع من استباق العصر. إنه البعد الذي يجعل الفيلسوف ضد الراهن ، أي ضد التقوقع في بعد من أبعاد الزمان الثلاثة. هذا البعد هو ما يجعل الفيلسوف "لحظي أي ذلك الكائن الغير متصالح مع وقته والنظام القائم فيه، سواء تعلّق الأمر بنظام الحقيقة أو الأخلاق، أو تعلّق الأمر بقواعد اللعبة السياسية. فعلى سبيل المثال نجد بأنّ عمل ليفي شتراوس قد ساهم في يقظة فلسفة سياسية وجعلها تدخل في سجال مفتوح مع هيمنة العلوم الإنسانية. فحيوية الفلسفة الراهنة ترجع بشكل أساسي إلى تسلّحها بمسعى النقد الجذري الرافض للوضعية، ولكلّ نزوع يروم إضفاء الطابع العلموي على الاجتماعي والسياسي. لقد انقرضت صورة الفيلسوف التي تجعل منه متجاوزا من قبل العصر لعدم انخراطه في قافلة العلوم الاجتماعية . فتقديس الوقائع قد ترك المجال للمساءلة حول القيم وإرادة القوى. إننا نلاحظ اليوم حذرا من التجريدات الجوفاء، في مقابل ذلك يتم منح للنشاط المفهومي دورا أساسيا وحيويا. وليس غريبا أن تكون آخر أعمال دولوز كتابه في الفلسفة بما هي إبداع للمفاهيم.
لفهم هذا الانزياح يكفي النظر إلى الكيفية التي يطرح بها اليوم مشكل التلاؤم ما بين شمولية القيم الموروثة عن عصر الأنوار، وبين النزعة النسبية لتي يفرضها علينا تنوّع الثقافات واختلافها.